حبيب الله الهاشمي الخوئي
194
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ومن قلَّة الكلام السّلامة من الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات وليس على العبد شيء أشدّ من الحلم عند الجفا ، والصبر على الأذى ، وإذا تحرّكت من النّفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جرّدت عليهم سيوف قلة الطَّعام من غمد التهجّد وقلة المنام وضربتها بأيدي الخمول وقلَّة الكلام حتّى تنقطع عن الظَّلم والانتقام فتأمن من بوائقها من بين سائر الأناء وتصفّيها من ظلَّة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانيّة ، فتجول في ميدان الخير وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالمسلك المتنزّه في البستان . وقال أيضا : أعداء الانسان ثلاثة : دنياه ، وشيطانه ، ونفسه ، فاحترس من الدّنيا بالزّهد فيها ، ومن الشّيطان بمخالفته ، ومن النفس بترك الشّهوات . وتفصيل ذلك على ما قرّر في علم السّلوك إنّ للسّالك لطريق الحقّ المريد للوصول إلى حظيرة القدس شروطا ووظايف لابدّ من ملازمتها . أمّا الشروط الَّتي لابدّ من تقديمها في الإرادة فهي رفع الموانع والحجب الَّتي بينه وبين الحقّ ، فانّ حرمان الخلق من الحقّ سببه تراكم الحجب ووقوع السّد على الطريق قال اللَّه تعالى * ( وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) * . والسّد بين المريد وبين الحقّ ثلاثة : المال ، والجاه ، والمعصية ورفع حجاب المال إنّما يحصل بالخروج منه حتّى لا يبقي منه إلَّا قدر الضرورة فما دام يبقى له درهم ملتفت إليه فهو مقيّد به محجوب عن اللَّه عزّ وجل ، ورفع حجاب الجاه إنما يحصل بالبعد من موضع الجاه والهرب منه وايثار خمول الذّكر ، ورفع حجاب المعصية إنما يحصل بالتّوبة والنّدم على ما مضى من المعاصي وتدارك ما فات من العبادات وردّ المظالم وإرضاء الخصوم وإذا قدّم هذه الشّروط فلا بدّ له من المواظبة على وظائف السّلوك ، وهى خمس : الجوع ، والصّمت ، والسّهر ، والعزلة ، والذّكر .